تأملات في القران الكريم ح452 سورة الفجر الشريفة /حيدر الحدراوي

الاربعاء - 22/04/2020 - 10:53


بسم الله الرحمن الرحيم
وَالْفَجْرِ{1} 
تستهل السورة الشريفة بقسم ( وَالْفَجْرِ ) , تختلف الآراء حول الفجر , فمنها ما يشير الى فجر كل يوم , ومنها ما يشير الى فجر يوم العدل الالهي , الذي سوف يكون في زمن المهدي "عجل الله فرجه" مصحوبا بظهور عيسى "ع" . 
وَلَيَالٍ عَشْرٍ{2} 
تستمر الآية الكريمة ( وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) , تختلف الآراء حولها ايضا , فمنها ما يشير الى انها اول عشرة من شهر ذو الحجة , ومنها ما يشير الى انها عاشوراء محرم الحرام . 
وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ{3} 
تستمر الآية الكريمة ( وَالشَّفْعِ ) , الزوج , ( وَالْوَتْر ) , الفرد , أي انه قسم بكل زوج وفرد من الاشياء , وفي اراء اخرى ان الشفع يوم التروية , والوتر يوم عرفة . 
وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ{4} 
يستمر القسم في الآية الكريمة ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ) , مقبلا ومدبرا , وهو يرادف قوله جل من قائل {وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ }المدثر33 . 
هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ{5} 
تضيف الآية الكريمة ( هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ ) , لذو عقل , فيعتبر . 
( عن الباقر عليه السلام يقول لذي عقل والمقسم عليه محذوف أي ليعذبن كما يدل عليه ما بعده ) . "تفسير الصافي ج5 للفيض الكاشاني" . 
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ{6} 
تستمر الآية الكريمة ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ) , ألم تعلم يا محمد "ص واله" بما جرى لقوم عاد , وهم أولاد عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام قوم هود "ع" , سموا "عاد" نسبة لأبيهم . 
إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ{7} 
تستمر الآية الكريمة مضيفة ( إِرَمَ ) , عطف بيان لعاد , وارم قبيلة منهم او هم اهلها , ( ذَاتِ الْعِمَادِ ) , أي ذوي الابنية المرتفعة , او ذوي القامات الطويلة . 
الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ{8} 
تضيف الآية الكريمة ( الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ) , من حيث الخلقة , او من حيث البأس والبطش . 
( قيل كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا ثم مات شديد فخلص الامر لشداد وملك المعمورة ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فبنى على مثالها في بعض صحارى عدن جنة وسماه ارم فلما تم سار إليها بأهله فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا ) . "تفسير الصافي ج5 للفيض الكاشاني" .
وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ{9} 
تنعطف الآية الكريمة لتذكر قوما اخرين ( وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ ) , وثمود الذين قطعوا الصخر ليتخذوا منه منازل , وهو يرادف قوله جل من قائل {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ }الشعراء149 , ( بِالْوَادِ ) , وادي القرى . 
وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ{10} 
تنعطف الآية الكريمة لتذكر غيرهم ( وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ) , عرف بانه يتد من يعذبه بأربعة اوتاد , او ان جنوده كالأوتاد يثبتون له ملكه . 
الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ{11} 
تضيف الآية الكريمة ( الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ) , المذكورين اعلاه تجبروا في الارض , استبدوا وظلموا الناس . 
فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ{12} 
تستمر الآية الكريمة مضيفة ( فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ) , الكفر والقتل والظلم . 
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ{13} 
تستمر الآية الكريمة مضيفة ( فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ) , فانزل الله تعالى على كل قوم منهم عذابا مختلفا عن الاخر . 
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ{14} 
تقرر الآية الكريمة ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) , يرصد اعمال عباده , لا يفوته شيء منها . 
فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ{15} 
تضيف الآية الكريمة ( فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ) , اختبره بالغنى واليسر والمال والجاه والعافية , ( فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ) , فيقول ربي اكرمني , ظنا منه ان ذلك لكرامة له عند الله تعالى . 
وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ{16} 
تستمر الآية الكريمة مضيفة ( وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ) , اما اذا اختبره جل وعلا بضيق الرزق والمعيشة , ( فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ) , ظنا منه ان ذلك التقتير والضيق لهوانه وقلة شأنه عند الله تعالى , غافلا لجهله وقصور نظره , ان التقتير قد يكون فيه الكرامة لكلا الدارين , واما الغنى وسعة الحال قد يفضي بصاحبه ويدخله في جملة الظالمين وهو ما يقابله قوله جل من قائل {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }آل عمران178 . 
كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ{17} 
تستمر الآية الكريمة رادعة ( كَلَّا ) , ليس الاكرام والكرامة في الفقر والغنى , بل في الايمان والتقوى والطاعة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }الحجرات13 , ( بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ) , رغم غناهم لا يكرمون يتماً , او هو لمنعهم ميراث اليتيم قهرا , ولضعفه لا يطالب بحقه , وهذا ما كان سائدا لديهم , وهو ما اشارت اليه جملة من الآيات الكريمة منها : {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً }الإسراء34 , {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ }الضحى9 . 
وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ{18} 
تستمر الآية الكريمة مضيفة ( وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ) , أي لا يحثون انفسهم او غيرهم في اطعام المسكين . 
وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً{19} 
تستمر الآية الكريمة ( وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ ) , الميراث , او هو التراب , حيث ان كل ما يؤكل مخلوق من تراب , ( أَكْلاً لَّمّاً ) , شديدا , غير عابئين ان كان المورث من حلال او حرام مع علمهم به , وايضا قد منعوا النساء والصبيان من ميراثهم , فيأكلون نصيبهم منه . 
وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً{20} 
تستمر الآية الكريمة مضيفة ( وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً ) , حبا كثيرا , مع الحرص وعدم الانفاق منه . 
كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً{21} 
تستمر الآية الكريمة رادعة ( كَلَّا ) , ردعا لهم عما تقدم , وعما يليه , ( إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً ) , اذا زلزلت حتى ينهار ويتهدم كل بناء او كل مرتفع ارضي . 
وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً{22} 
تستمر الآية الكريمة ( وَجَاء رَبُّكَ ) , أي امره جل وعلا , وظهرت علامات قدرته واثار قهره جل وعلا , ( وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ) , مصطفين بصفوف كثيرة , حسب منازلهم . 
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى{23}
تستمر الآية الكريمة مضيفة ( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ) , وهو ما يرادفه قوله جل من قائل {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ }الشعراء91 , أي اظهرت وكشف عن غطاءها لهم , ( يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ ) , أي يتذكر الكافر اعماله , فيتعظ ويتوب , ( وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ) , فلا تنفعه الذكرى والموعظة والتوبة ذلك الحين , فقد فات الآوان . 
يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي{24}
تستمر الآية الكريمة ( يَقُولُ يَا لَيْتَنِي ) , يعلن نادما متمنيا , ( قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) , قدمت في الدنيا من الاعمال الصالحة النافعة لحياة الاخرة . 
فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ{25} 
تستمر الآية الكريمة مضيفة ( فَيَوْمَئِذٍ ) , ذلك الحين , ( لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ) , للنص المبارك منحنيين : 
1- {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }المدثر38 , أي لا يعذب ولا يتحمل العذاب احدا غير صاحبه المستحق له .
2- ان عذاب الله تعالى للعاصين لا يستطيع احدا ان يعذب به , أي لا احد يملك ان يعذب بمثل عذاب الله تعالى . 
وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ{26} 
تستمر الآية الكريمة ( وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ) , للنص المبارك نفس المنحنيين السابقين , مع ان كان اغلب المفسرون يرجحون المنحنى الثاني , أي لا احد يملك ان يوثق بمثل وثاق الله جل وعلا . 
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ{27} 
تستمر الآية الكريمة مخاطبة المؤمنة ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) , وهي التي اطمأنت الى الحق . 
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً{28} 
يستمر الخطاب في الآية الكريمة ( ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ ) , يقال لها ذلك عند الموت , كما بدأت منه جل وعلا ارجعي اليه , ( رَاضِيَةً ) , بالثواب والاجر المعد لك , ( مَّرْضِيَّةً ) , عند الله تعالى في منازل رفيعة القدر . 
فَادْخُلِي فِي عِبَادِي{29} 
تستمر الآية الكريمة ( فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ) , فادخلي في جملة عبادي المؤمنين الصالحين المصطفين , الذين بلغوا رضاه جل وعلا . 
وَادْخُلِي جَنَّتِي{30}
تختتم الآية الكريمة ( وَادْخُلِي جَنَّتِي ) , معهم في جنتي , ويلاحظ ان هذه المناسبة الوحيدة في القرآن الكريم التي ينسب الباري جل وعلا الجنة له .