من مذكرات فارس عراقي/ خلية الخبراء التكتيكية

السبت - 06/11/2021 - 09:50
من مذكرات فارس عراقي/ خلية الخبراء التكتيكية


سيارة مفخخة تحاول الدخول لقاطع مسؤوليتنا في شارع عشرين في الرمادي،
ينجح سائقها في الدخول، رغم محاولتنا بالتصدي لها
لم ننجح في الأمر.
لا يمكننا الهرب؛ خلفنا شارع خاشع الذي لابد أن نعبره كي نصل إلى زملائنا في المنطقة الآمنة،
يسيطر قناص العدو على هذا الشارع، مما جعل العبور مستحيلًا!
حاول بعض زملائي العبور، في منتصف الشارع سقطوا شهداء، سقطوا في المياه الراكدة!
الشارع تحول إلى بركة مياه ضحلة.
انفجرت السيارة، وأعقبها انتحاري دخل علينا إلى المنزل! 
فما إن رأنا حتى كبر و فجر نفسه! 
أصبت بشظية بعنقي وتمزق بطني! 
مما أدى إلى أستشهادي وزملائي،
زملائي لا ملامح لهم باقية تدل عليهم، الوحيد أنا ملامح وجهي باقية.
بقينا لعدة ساعات طويلة نحوم حول جثثنا! 
حتى تقدم فوجنا بإسناد جوي،
 جاءوا بعض الزملاء، دخلوا المنزل،
حين رأوا جثثنا ممزقة، بكوا كثيرًا،
آه، هذا عباس يبكي، 
أتحدث معه أصرخ لا تبكي أنا هنا،
لا يسمعني، أود أن أعتذر منه؛ قبل أيام شتمته وكدت أن أضربه، عباس سامحني، لا يجيب، فقط يبكي! 
جلبوا من أحد المنازل عدة بطاطين، 
وضعوا جثثنا فيها حملوها
وضعت في صندوق الهمر، 
ومن ثم إلى قيادة عمليات الأنبار،
هناك وضعنا في أكياس خاصة بالشهداء،
أنا الوحيد كتب اسمي عليه..
وضعت جثثنا في طائرة هليكوبتر،
حلقت في سماء الرمادي، 
وأرواحنا أيضًا،
نودع هذه المدينة التي مزقت أجسادنا لأجلها.
آه، بغداد، روحي فداك، ها قد وصلنا العاصمة، 
هبطت الهليكوبتر في مطار المثنى،
قاموا بإنزال الأكياس من الطائرة، 
وضعت في صندوق بارد، إنه ثلاجة الموتى! 
آه، كم هي الجثث هنا، والأرواح الكثيرة تحوم حزينة؛ حزينة لم يتعرف ذويهم على الجثث! 
شعرت بالأطمئنان؛ سيتعرفون عليّ بسهولة، ملامح وجهي تخبرهم من أنا! 
دخل مجموعة من الشباب يحملون نعشًا فارغًا ومعهم بعض كبار السن وإمرأة تتعثر في سيرها،
تصرخ وتسقط! 
إنهم أهلي، وهذه والدتي، والدتي المسكينة،
تبكي وأنا أبكي  أيضًا، أكلمها، لا تسمعني، تصرخ بأعلى صوتها:
(يمه، أوحيد و أعز عندي من العذيبي، ييمه ردتك ذخر ليام شيبي) 
الدماء تخر من خدودها! 
بعد إكمال الإجراءات، وضعوا الكيس في النعش، حملوه إلى أعلى السيارة (الجمسي) بعد أن وضعوا العلم العراقي فوقه،
خرجت السيارة من المطار، دخلت لشوارع بغداد وروحي معهم، تألمت كثيرًا لأمي ولبغداد حين خرجنا منها!  ثلاث ساعات متواصلة حتى وصلنا حدود محافظة ذي قار، 
مررنا بسيطرة الفجر،
الشرطة هناك و قفوا بالإستعداد و أخذوا التحية لنعشي.
أرى بيارغ القبيلة، أسمع إطلاق الرصاص 
كأنني عدت إلى المعركة، ما أحوجنا في المعركة لهذا العتاد! 
تستقبلني القبيلة بالأهازيج والحزن، الكل حزين، 
يرددون أهزوجه: (أبن العم بي نتشيم؛ طايح لجل الدين)
كيف يقنعون والدتي بهذا الأمر؟!
دقائق دخل جثماني لمدينتي، مدينة قلعة سكر،
تلك المدينة التي أحبها، تمر السيارة وسط المدينة، تمر من المقهى الذي كثيرًا ما أرتاده في إجازتي (المقهى الرياضي) 
آه، أرى أصدقائي، أبناء  عمومتي، يلطمون على صدورهم، 
شقيقتي أغمي عليها حين وصلت السيارة لشارعنا،
نساء الجيران تصرخ،
قريباتي يلطمن ممزقات خدودهن، 
آه، تلك زوجتي تعيسة الحظ تبكي،
تبكي بصمت غير مصدقة للأمر!
يبكي ولدي بحضنها دون أن يعرف ما الأمر!
يا للمسكين، سيتعب مثلي في حياته..
لم يطل الأمر كثيرًا،
أخرجوا النعش من المنزل بعد أن أدخلوه لعدة دقائق! 
إنه الوداع الأخير! 
حملوا النعش حتى الشارع السريع، و ضعوه فوق السيارة، تحركت بإتجاه النجف الأشرف، 
أمي داخل السيارة مغمى عليها! 
أهازيج وإطلاق نار، وصلنا إلى ساحة توديع الجنائز، سلم الناس على أفراد عائلتي، 
قرأ الجميع سورة الفاتحة، وأبروني الذمة.
صرخ أحدهم: الرجاء عدم الذهاب مع الجنازة للنجف، 
لم ينفع الأمر،
أرى خلف جنازتي الكثير من السيارات،
ساعتان ونصف وصلنا مقبرة وادي السلام، مقبرة أسلافي، الليلة أحل عليهم ضيفًا..
الأمر الذي أحزنني كثيرًا: أنا أستشهدت من أجل الوطن،
لماذا قبري يباع عليّ؟! أهذا جزاء الشهيد؟! 
بعد أن وضعوني في القبر،
أهالوا عليّ التراب، سقطت أمي داخل القبر!
أخرجوها بصعوبة.. 
أكمل الدفان عمله، قرأ الآيات القرآنية، 
قرأ الجميع سورة الفاتحة، 
حملوا أمي إلى السيارة، و ذهبوا! 
صرخت: أمي، لا تتركيني! 
أصدقائي، أين أنتم ذاهبون؟! 
أهلي، لم يجب أحدهم! 
لازالت روحي تتبعهم، بجانب أرقى المطاعم ركنوا سياراتهم، أكلوا على حساب أهلي! 
أهلي الذين لم يتذوقوا الطعام.
وصلوا ليلًا إلى مدينتي،
 تحوم روحي حول  منزلي،
أرى أمي ما تزال مغمى عليها. 
في الصباح، خرج الرجال من المنزل، تبعتهم، 
قطعة سوداء فيها نعي أستشهادي، ومكان مجلس الفاتحة، 
أرى جموع كثيرة تتوافد على مكان العزاء، 
أهازيج و بيارغ، 
خراف تذبح! 
لثلاثة أيام.
بعدها ذهب الجميع، بقي أهلي حائرين بتسديد  هذا المبلغ، صرفوا مبلغًا كبيرًا جدًا من أجل العزاء، هذه هي القوانين العشائرية المتعارف عليها لابد من ذلك! 
لكن لا أحد يقدم المساعدة لا أحد يتسائل كيف لأهل الميت من تستديد هذا المبلغ؟! 
صحوت من نومي مرعوبًا، 
وجدت نفسي في غرفتي بجانبي ولدي نائم!