المجتمع و سلطة الوهم كتب /علاء الخطيب

الخميس - 28/05/2020 - 09:17

‎كثيرٌ من الأشياء نتعايش معها ولكننا لسنا سعداء بها وليست لنا القدرة على رفضها او المجاهرة بعدم السعادة بها ،
‎هذه الأشياء ليست من اختيارنا ، ولم تتحكم ارادتنا الذاتية بتبنيها. لكننا مجبرون على الدفاع عنها وقبولها.
‎تسيطر علينا دون ان نعَّي بحقيقتها ، ربما تكون كذبة وتتحول الى وهم ويتحول الوهم الى إيمان يتحكم بنا كجماعة ، ثم الى عقيدة مقدسة نقاتل ونقتل من اجلها وتصبح معروفة وتنتشر بين الناس ،وكما تقول العرب : ( رب مشهور لا أصل له) ويقول : روبرت بيرسنغ ( إذا أصاب الوهم شخصاً واحداً يسمى جنون واذا أصاب مجموعة من الأشخاص سمي عقيدة او دين) .
‎كما هو حال وهم الايدلوجيا حينما تتضخم الفكرة وتصبح وهم ، لذا كثير من معتنقي الأفكار يعتقدون انهم يمتلكون الحقيقة وما سواهم في ظَلال، سواء كانوا دينيين ام علمانيين ، فهم يخوضون الحروب ويقدمون التضحيات لإثبات ان معتقداتهم هي الأصح والأفضل وكل ذلك بفضل سلطة الوهم .
‎مع العلم ان ليس هناك حقيقة مطلقة ولا حقيقة مقدسة . وإنما هناك وهم مقدس يتسلط على العقول ويسطر وينتج التطرف أو الجهل المركب .
‎وهذا ما حدث للهنود الحمر كما تحدثنا الاسطورة  مع كرستوفر كولومبس الذي نَفَذَ طعامه ، فطلب من الهنود الحمر ان يمنحوه الطعام ، فرفضوا ، لكن الفلكيون الذي رافقوا كولومبس في الرحلة أخبروه بأن خسوفاً سيحصل للقمر ، فاستغل كولومبس هذا الحدث وقال: للهنود اذا لم تمنحوني الطعام والتموين سأسرق منكم القمر ، لكن الهنود استمروا في رفضهم ، وحصل الخسوف وتوهموا ان كرستوفر قد نفذ تهديده وسرق القمر ، فجاؤوا اليه متوسلين ان يرد اليهم القمر وسيمنحوه الطعام ، وفِي اليوم التالي عاد القمر لكن الوهم قد تكرس في نفوسهم ، وأصبح كولومبس قديساً .
‎وفِي كتاب حكاية القط والفأر للشيخ البهائي يتحدث عن سلطة الوهم فيقول : ان رجلا مر برجلٍ  يجلس  فوق احد اغصان  شجره ماسكاً منشاراً ، يحاول ان يقطع الغصن الجالس عليه ، فنظر له الرجل عابر الطريق وقال له : اذا بقيت على هذا الحال وانت تحاول قطع الغصن فستقع حتماً ، لكن الرجل لم يستمع لكلام عابر الطريق، وقال له انشاء الله لن أقع.
‎فقال عابر الطريق لكن الله منحنا العقل وانا أرى انك ستقع، وقفل عابر الطريق ذاهباً واستمر الرجل بقطع الغصن ، ووقع فعلاً. فراح مسارعاً نحو عابر الطريق وقال له : من أعلمك بأني سأقع، قال له : فعلك أعلمني فرد الرجل عليه وقال:  انت وليٌ من أولياء الله ، أنت  تتواضع واولياء الله يتواضعون !!!!!
‎ فوقع يقبل يديه وإقدامه فتجمع الناس حولهما فسألوا عن الخبر فأخبرهم الرجل بأن عابر السبيل هذا  وليٌ من أولياء الله، وحكى لهم الحكاية الوهم ، فراح الناس يتبركون بعابر الطريق ،  وهو من جانبه رأى ان الناس اقبلوا عليه يقدسونه فأستحسن الامر وأصبح مقدساً ، بفعل الوهم .
‎ان سلطة الوهم سلطة لا شعورية مؤثرة ، فقد أشعلت كثير من الحروب. وأودت بالدمار على أمم أخرى .
‎الوهم هو تشوه وخلل في الحواس والعقل، لذا يعتقد الموهومون بأنهم أسوياء لكنهم في الحقيقة مرضى وضحايا ، ولكونهم مجموعة فهم يقعون تحت سيطرت اللاوعي أو ما أسميته سلطة الوهم.
‎كثير من الناس يدافعون باستماته عن أشياء وأفكار ليست من اختيارهم او ربما وجدوا آبائهم عليها فورثوها منهم ويخافون من رفضها او مجرد نقدها فتصبح مقدسة ومن المحرمات .
‎الوهم خدعة... مجرد خدعة نحن من ينتجها ويسوقها ، ونحن من نخدع بها أنفسنا .
‎الوطنية اذا تضخمت أصبحت وهم وخدعة
‎الدين اذا تضخم تحوَّل الى خدعة و وهم
‎الأيديولوجيا الحزبية اذا تضخمت أصبحت وهم وخدعة.
‎الحب اذا تضخم تحول الى وهم ومرض .
‎القدسية وهم يتضخم فيصبح خوف 
‎وهكذا هي سلطة الوهم .
‎فكل الخطوط الحمراء  وهم وقى الله مجتمعاتنا منها 

تعليقات الفيسبوك: