حكمة الامام الحسن في "ميثاق الصلح" مع الطليق معاوية / جميل ظاهري

السبت - 26/09/2020 - 13:05

شابت الشبهات وسوء الظنون حول تاريخ حياة ريحانة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسيد شباب أهل الجنة الامام الحسن بن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليهما السلام، المتعمد الذي بثه بنو أمية بطاغيتهم "معاوية" بحقدهم الشديد لبني هاشم ليعكروا صفاء التاريخ بخصوص هذه الشخصية الاسلامية الفذة والفريدة التي لا مثيل لها خاصة بعد التوقيع الى "ميثاق الصلح" مع "الطليق" حفاظاً على بيضة الاسلام ومنعاً لسفك دماء المسلمين كما قاله رسول الله (ص):"ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ" - رواه البخاري في "صحيحه" (حديث رقم/2704) و3/169، وفي كل الشروح فتح الباري لابن حجر إرشاد الساري، منها فتح الباري في شرح صحيح البخاري (كتاب الفتن حديث رقم/ 6692)، وفي جواهر التاريخ ج3 ص 125 للشيخ علي لكوراني، وفي المطالب العالية الصفحة أو الرقم: 4/262.
ورغم كل ما قاله الرسول (ص) بحق حفيده الامام الحسن (ع) من أحاديث كثيرة لا يسعنا تفصيلها كلها في هذا المقال إلا أن الكثير من المسلمين قد ظلموه طيلة التاريخ فكان للقريب ومن يدعي أنه من أتباع أهل بيت العصمة والطهارة (ع) نصيب أكثر من البعيد والعدو والحاقد والجاهل ومنذ ذلك الزمن وحتى يومنا هذا لم ينصفه حقه أحداً مما زاد الظلم ظلماً وصب زيتاً وافراً على نار مصيبة استشهاده المظلوم على يد أقرب الناس اليه ألا وهي زوجته "جعدة بنت الاشعث" وتقطيع كبده جراء السم الذي دسته اليه بأمر من الطاغية الأموي "معاوية بن أبي سفيان".
ومما قاله الرسول (ص) بحق سيد شباب أهل الجنة الامام الحسن (ع) وروته كتب العامة قبل الخاصة هو ما روي عن عائشة :" أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يأخذ حسناً فيضمه إليه، ثم يقول: اللهم ان هذا ابني وأنا أحبه فأحبه وأحب من يحبه" (كنز العمال ج13 ص652 رقم 37653، رواه ابن عساكر في حياة الإمام الحسن من تاريخ مدينة دمشق ص 56 رقم 98، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ص176. ورواه البدخشي في مفتاح النجاء ص173)، وكذلك ما رواه ابن عساكر باسناده عن حذيفة بن اليمان:"ان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: ألا ان الحسن بن علي قد أعطي من الفضل ما لم يعط أحدٌ من ولد آدم ما خلا يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم خليل الله"( ترجمة الإمام الحسن ص121 رقم 194، ورواه أبو نعيم في أخبار اصبهان ج2 ص242) .
ولن ينفع كل تلك الأقوال لرسول الله (ص) بحق ثاني أئمة الهداية والنور الرباني عقول الامة الجاهلة التي كانت قد وقعت تحت تأثير الإعلام الأموي المضلل والمسموم وخدرتها أحداث "السقيفة" الملعونة وأقوال من قام بها وساندها ودعمها ليعيدهم الى الجاهلية والضلالة والعمى لتبقى تسبح في مستنقع جهلها حتى الغرق.
فبعد استشهاد أمير المؤمنين الامام علي بن أبي طالب (ع) بويع الامام الحسن (ع) بالخلافة في الكوفة، الأمر الذي أغاظ وأزعج "معاوية" ابن آكلة الأكباد "هند" فبادر الى وضع الخطط لمواجهة الموقف، وأرسل الجواسيس الى الكوفة والبصرة وخطط لمرات عدة على اغتيال الامام (ع) حتى حين صلاته في المسجد كما حدث مع والده أمير المؤمنين (ع) في محراب مسجد الكوفة. 
أدرك الامام الحسن (ع) أبعاد المؤامرة وكشف الجواسيس، فأرسل الى "معاوية" يدعوه الى التخلّي عن انشقاقه. فأرسل "معاوية" رسالة جوابية يرفض فيها مبايعة الامام الحسن (ع)، وتبادلت الرسائل بين الامام (ع) و"معاوية" وتصاعد الموقف المتأزّم بينهما حتى وصل الى حالة إعلان الحرب.
فسار الامام الحسن (ع) بجيش كبير حتى نزل في موضع متقدم عرف ب”النخيلة” فنظم الجيش ورسم الخطط لقادة الفرق؛ ومن هناك أرسل طليعة عسكرية في مقدمة الجيش على رأسها "عبيد الله بن العباس" و"قيس بن سعد بن عبادة" كمعاون له؛ ولكن الأمور ومجريات الأحداث كانت تجري على خلاف المتوقع؛ وفوجئ الامام المجتبى (ع) بالمواقف المتخاذلة من انصاره وقادته والمقربين له والتي من أهمها:
1- خيانة قائد الجيش "عبيد الله بن العباس" الذي التحق بركب "معاوية" لقاء رشوة تلقاها منه رغم أن الأخير كان قد قتل أثنين من أبنائه.
2- خيانة زعماء القبائل في الكوفة الذين أغدق عليهم معاوية الأموال الوفيرة فأعلنوا له الولاء والطاعة وعاهدوه على تسليم الإمام الحسن له.
3- قوّة جيش العدو في مقابل ضعف معنويات جيش الامام (ع) الذي كانت تستبد به المصالح المتضاربة.
4- محاولات الاغتيال التي تعرض لها الامام الحسن (ع) في الكوفة لوحدها.
5- الدعايات والإشاعات التي أخذت مأخذاً عظيماً في بلبلة وتشويش ذهنية المجتمع العراقي.
وأمام هذا الواقع الممزّق وجد الامام الحسن بن علي (ع) أن المصلحة العليا تقتضي عقد ميثاق "صلح" مع الطاغية المحتال "معاوية" حقناً للدماء وحفظاً لمصالح المسلمين. 
فوقع "معاوية" على ميثاق "الصلح" الذي وضع الامام (ع) شروطه بغية أن يحافظ على شيعة ومحبي وأتباع أهل البيت (ع) وترك المسلمين يكتشفون ماهية "معاوية" الحقيقية بأنفسهم ليتسنى الامام الحسين (ع) فيما بعد كشف الغطاء عن بني أمية وتقويض دعائم ملكهم.
فأقبل "عبد الله بن سامر" الذي أرسله معاوية الى الامام الحسن (ع) حاملاً تلك الورقة البيضاء المذيّلة بالإمضاء وإعلان القبول بكل شرط يشترطه الامام (ع) وتمّ الإتفاق على وقف القتال حيث نصت "وثيقة الصلح" بما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم
"هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلّم اليه ولاية المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنّة رسول الله، وليس لمعاوية أن يعهد الى احد من بعده عهداً، على أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى في شامهم ويمنهم وعراقهم وحجازهم.
وعلى أنّ أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم حيث كانوا، وعلى معاوية بذلك عهد الله وميثاقه.
وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لاخيه الحسين ولا لاحد من اهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غائلة سوء سرّاً وجهراً، ولا يخيف أحداً في أفق من الآفاق. شهد عليه بذلك فلان وفلان ، وكفى بالله شهيداً "( المدائني في شرح النهج ج 4 ص 8 ؛وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص 194؛وابن كثير ج 8 ص 41؛ والاصابة ج 2 ص 12 و13؛ وابن قتيبة ص 150؛ وابن أبي الحديد ج 4 ص 15؛ والدينوري ص 200).
ولما تم الصلح وانبرم الأمر التمس "معاوية" من الامام الحسن (ع) أن يتكلم بمجمع من الناس ويعلمهم أنه قد بايع معاوية وسلم الأمر إليه فأجابه إلى ذلك فخطب وقد حشد الناس - خطبة حمد الله تعالى وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله فيها وهي من كلامه المنقول عنه (ع): "أيها الناس ان أكيس الكيس التقى وأحمق الحمق الفجور وأنكم لو طلبتم ما بين جابلق وجابرس رجلا جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما وجدتموه غيري وغير أخي الحسين وقد علمتم إن الله هداكم بجدي محمد فأنقذكم به من الضلالة ورفعكم به من الجهالة وأعزكم به بعد الذلة وكثركم به بعد القلة أن معاوية نازعني حقا هو لي دونه فنظرت لصلاح الأمة وقطع الفتنة وقد كنتم بايعتموني على أن تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت فرأيت أن أسالم معاوية واضع الحرب بيني وبينه وقد بايعته ورأيت حقن الدماء خير من سفكها ولم أرد بذلك إلا صلاحكم وبقاءكم وان أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين وعنه عليه السلام انه قال لا أدب لمن لا عقل له ولا مروة لمن لا همة له ولا حياء لمن لا دين له ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل وبالعقل تدرك الداران جميعا ومن حرم من العقل حرمهما جميعا"(الغدير للأميني ج11 ص6 مواقف معاوية مع أبي محمد الحسن السبط ؛ والمصادر السابقة).
وانتقل الامام الحسن (ع) الى مدينة جدّه المصطفى (ص) بصحبة أخيه الامام الحسين (ع) تاركاً الكوفة التي دخلتها جيوش "معاوية" وأثارت في نفوس أهلها الهلع والخوف. وخطب معاوية فيهم قائلاً: “يا أهل الكوفة أترون أني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج؟ وقد علمت أنكم تصلّون وتزكّون وتحجّون… ولكنني قاتلتكم لأتأمّر عليكم: وقد اتاني الله ذلك وأنتم له كارهون… وإن كل شرط شرطته للحسن فتَحْتَ قدميّ هاتين" (المصادر السابقة).
* من اقوال الامام الحسن (ع) في أسباب توقيعه " وثيقة الصلح" :
1- أرى والله أنّ معاوية خير لي من هؤلاء يزعمون انّهم لي شيعة ، ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي وأخذوا مالي (الاحتجاج : ج2 ، ص20).
2- والله لئن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وأؤمن به في أهلي خير من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما (المصدر السابق).
3- لولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلاّ قُتِل(علل الشرائع : ص 211).
4- والله لئن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير أو يمنّ عليّ فيكون سنّة على بني هاشم آخر الدهر لمعاوية لا يزال يمنّ بها وعقبه على الحيّ منّا والميت(المصدر السابق).
5- والله ما سلّمت الأمر إليه إلاّ إنّي لم أجد أنصاراً ولو وجدت أنصاراً لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه (علل الشرائع ص 12). 
6- لكنّي أردتُ صلاحكم وكفّ بعضكم عن بعض » وقوله في جواب حجر بن عدي : « وما فعلتُ ما فعلتُ إلاّ إبقاء عليك والله كلُّ يوم في شأن» (شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد : ج16 ، ص15). 
7-ولكنّي خشيت أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفاً أو ثمانون ألفاً تشخب أوداجهم دماً ، كلهم يستعدي الله فيم هريق دمُه (المصدر السابق).
8- يا أبا سعيد علّة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله (ص) لبني ضمرة و... أولئك كفّار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفروا بالتأويل(المصدر السابق). 

فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يُبعث حيا